بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
 
« إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب»
 
 
 



وقفات تحليلية مع البنا ‮ ‬4‮/‬5

كتبهابحر الإخوان ، في 19 نوفمبر 2007 الساعة: 09:21 ص

بقلم الشيخ حبيب سلامي

ليس التصوف لبس الصوف ترقعه
ولا بكاؤك إن‮ ‬غنى المغنونا
بل التصوف أن تصفو بلا كـــــدر
وتتبع الحق والقرآن والدينا‮ ‬
التصوف‮.. ‬علم من العلوم الإسلامية‮ ‬يعتني‮ ‬بالجانب السلوكي‮ ‬والروحي‮ ‬للفرد،‮ ‬فكما أن علم الفقه‮ ‬يهتم بالأحكام الشرعية العملية،‮ ‬وعلم العقيدة‮ ‬يهتم بالأحكام الاعتقادية،‮ ‬كذلك علم التصوف ركز على الأحكام السلوكية للفرد،‮ ‬وعلى كيفية تزكية النفس‮.‬
لكن هذا العلم واجه حملة شرسة،‮ ‬وشوهت صورته من قبل‮ ‬غير المنصفين الذين هاجموه،‮ ‬واعتبروه شيئاً‮ ‬آخر‮ ‬غير الإسلام‮.‬
وربما كان من أكبر أسباب ذلك أن رجالاً‮ ‬انتسبوا إلى التصوف وأساءوا التصرف،‮ ‬أو استغلوه لمصالح خاصة في‮ ‬فترة من الفترات،‮ ‬فجاء بعدهم من لم‮ ‬يميز بين الصوفية والتصوف وشنع على هذا العلم الذي‮ ‬انتسب إليه كثير من أئمة الإسلام‮. ‬
وتصور معي‮ ‬أنه انتسب إلى علم الفقه بعض الجهلة وأصدروا أحكاماً‮ ‬فقهية‮ ‬غريبة،‮ ‬فهل نقوم بالتشنيع على علم الفقه؟‮! ‬لا،‮ ‬إنما علينا أن نواجه أولئك المتطفلين عليه‮.‬
وهكذا كانت نظرة البنا إلى التصوف،‮ ‬رأى فيه علماً‮ ‬يهتم بتزكية النفس،‮ ‬فأقبل عليه،‮ ‬وانضم البنا إلى جماعة صوفية تعرف بالحصافية نسبة إلى شيخهم الذي‮ ‬اجتمعوا عليه الشيخ حسنين الحصافي‮ ‬الأزهري‮ ‬الشافعي‮.‬
يقول البنا‮: ”‬وفي‮ ‬المسجد الصغير رأيت الإخوان الحصافية،‮ ‬يذكرون الله تعالى عقب صلاة العشاء من كل ليلة،‮ ‬وكنت مواظباً‮ ‬على حضور درس الشيخ زهران رحمه الله بين المغرب والعشاء،‮ ‬فاجتذبتني‮ ‬حلقة الذكر بأصواتها المنسقة ونشيدها الجميل وروحانياتها الفياضة،‮ ‬وسماحة هؤلاء الذاكرين من شيوخ فضلاء وشباب صالحين،‮ ‬وتواضعهم لهؤلاء الصبية الصغار الذين اقتحموا عليهم مجلسهم ليشاركوهم ذكر الله تبارك وتعالى،‮ ‬فواظبت عليها هي‮ ‬الأخرى‮..”.‬
فهذه الجماعة التي‮ ‬انضم إليها ماذا كان هدفها،‮ ‬وما وسيلتها؟‮ ‬
أما الهدف فيتمثل في‮ ‬تزكية النفس،‮ ‬وتذكر الله سبحانه والبعد عن الغفلة التي‮ ‬سيطرت الآن على كثير من النفوس،‮ ‬ووسيلتها كانت باجتماعهم وتذكير بعضهم،‮ ‬وتخصيص أوقات‮ ‬يعتكفون فيها بالمسجد فترة من الزمن لذكر الله سبحانه،‮ ‬فالذكر أساس طريقهم،‮ ‬ولاشك أن هذا جائز بلا ريب‮ ‬‭{‬واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا‭}‬،‮ ‬ثم إذا كانت الكيفية فيها مخالفات فقهية فتنكر،‮ ‬وهذا كالصلاة،‮ ‬فإذا كان أحد‮ ‬يصلي‮ ‬بطريقة‮ ‬غير صحيحة فعلينا أن ننكر كيفية صلاته ونعلمه الطريقة الصحيحة،‮ ‬أما أن ننكر أصل الصلاة فلا‮.. ‬
وقد استفاد البنا كثيراً‮ ‬من الطريقة الحصافية،‮ ‬وأعجبته شخصية الشيخ حسنين الحصافي،‮ ‬الذي‮ ‬يقول عنه كما في‮ ‬مذكراته‮: ‬
‮”‬كان السيد حسنين رحمه الله عالماً‮ ‬أزهرياً‮ ‬تفقه على مذهب الإمام الشافعي‮ ‬ودرس علوم الدين دراسة واسعة وامتلأ منها وتضلع فيها ثم تلقى بعد ذلك الطريق على كثير من شيوخ عصره،‮ ‬وجد واجتهد في‮ ‬العبادة والذكر والمداومة على الطاعات‮.. ‬ثم أخذ‮ ‬يدعو إلى الله بأسلوب أهل الطريق،‮ ‬ولكن في‮ ‬استنارة وإشراق وعلى قواعد سليمة قويمة،‮ ‬فكانت دعوته مؤسسة على العلم والتعليم،‮ ‬والفقه والعبادة،‮ ‬والطاعة والذكر،‮ ‬ومحاربة البدع والخرافات الفاشية بين أبناء هذه الطرق،‮ ‬والانتصار للكتاب والسنة على أية حال،‮ ‬والتحرز عن التأويلات الفاسدة،‮ ‬والشطحات الضارة،‮ ‬والأمر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر،‮ ‬وبذل النصيحة‮… ‬
وكان أعظم ما أخذ بمجامع قلبي‮ ‬وملك علي‮ ‬لبي‮ ‬من سيرته رضي‮ ‬الله عنه شدته في‮ ‬الأمر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر وأنه كان لا‮ ‬يخشى في‮ ‬ذلك لومة لائم‮..” -‬كلام البنا‮- ‬
نستطيع أن نستنتج من النص السابق شدة إعجاب البنا بهذه الشخصية،‮ ‬وهي‮ ‬الشخصية الوحيدة التي‮ ‬ترجم لها البنا بشيء من التفصيل‮.‬
وقد كانت لهذه الطريقة ولهذا الشيخ أكبر الأثر في‮ ‬حياة حسن البنا ودعوته،‮ ‬فالبنا‮ ‬يحب الدعوة بمفهومها الواسع،‮ ‬ووجد في‮ ‬هذا الشيخ الحصافي‮ ‬ضالته،‮ ‬لأنه هو الآخر كان‮ ‬يسعى لنشر الدعوة والإسلام،‮ ‬ولكنه لم‮ ‬يشتهر شهرة البنا ولا‮ ‬يعرفه‮  ‬كثير من محبي‮ ‬البنا،‮ ‬مع أنه‮ ‬يعتبر قدوة البنا الدعوة ومثار إعجابه‮.‬
يقول البنا‮: ”‬وكنت أعتقد أن أعظم كرامة أكرمه الله بها هي‮ ‬هذا التوفيق لنشر دعوة الإسلام على هذه القواعد السليمة وهذه الغيرة العظيمة على محارم الله تبارك وتعالى،‮ ‬والأمر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر‮”. ‬
وقد التقى حسن البنا بابن الشيخ حسنين الحصافي،‮ ‬وهو السيد عبدالوهاب الحصافي،‮ ‬وأعجب بطريقته وأسلوبه في‮ ‬الدعوة،‮ ‬ويقول عنه كما في‮ ‬مذكراته‮: ”‬وجزى الله عنا السيد عبدالوهاب خير الجزاء،‮ ‬فقد أفادتني‮ ‬صحبته،‮ ‬أعظم الفائدة،‮ ‬وما علمت عليه في‮ ‬دينه وطريقه إلا خيراً،‮ ‬وقد امتاز في‮ ‬شخصيته وإرشاده ومسلكه بكثير من الخصال الطيبة‮..”.‬
إلى أن قال‮: ”‬ولا زلنا نحفظ للسيد جزاه الله عنا خيراً‮ ‬أجمل ما‮ ‬يحفظ مريد محب مخلص لشيخ عالم عامل تقي،‮ ‬نصح فأخلص النصيحة،‮ ‬وأرشد فأحسن الإرشاد‮”.‬
هكذا إذاً‮ ‬نشأ البنا وترعرع بين رجال ربانيين همهم الدعوة والإصلاح،‮ ‬فتأثر بهم واستفاد منهم،‮ ‬إضافة إلى تأثير والده فيه،‮ ‬العالم الكبير الشيخ أحمد عبدالرحمن البنا الشافعي‮ ‬المعروف بالساعاتي‮.. ‬
ولكن طموح البنا جعله‮ ‬يفكر في‮ ‬طريقة أقوى لخدمة الدين،‮ ‬طريقة تجمع بين الفقه والتصوف والدعوة في‮ ‬قالب واحد‮.‬
فنراه‮ ‬يقول عن هذه الفكرة‮: ”‬ولو أراد الله والتقت قوة الأزهر العلمية،‮ ‬بقوة الطرق الروحية،‮ ‬بقوة الجماعات الإسلامية العملية،‮ ‬لكانت أمة لا نظير لها،‮ ‬توجه ولا تتوجه،‮ ‬وتقود ولا تنقاد،‮ ‬وتؤثر في‮ ‬غيرها ولا‮ ‬يؤثر شيء فيها،‮ ‬وترشد هذا المجتمع الضال إلى سواء السبيل‮”. ‬
إلى أن بنى دعوته،‮ ‬وشيد أركان صرحه على هذا الأساس ومن هذا المنطلق الذي‮ ‬جمع بين الفقه والسلوك والدعوة‮. ‬
ولكن السؤال الآن هل المنتمون إليه ما زالوا‮ ‬ينطلقون من هذا الأساس الذي‮ ‬انطلق منه البنا وبنى عليه دعوته أم أن عامل الزمن أنساهم وأبعدهم عن نظرة البنا؟‮!‬

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الرسائل وشروحها, بأقلام الدعاة ..., بحر الأخلاق, خواطر من قلبي لقلبك, دعوة, رقائق | السمات:, , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “وقفات تحليلية مع البنا ‮ ‬4‮/‬5”

  1. رحم الله الامام المجدد حسن البنا وجعل له اجر فى كل من التزم بدين الاسلام

    لأنه اول من اشعل شعلة الصحوة الاسلامية فى القرن الماضى

    وانا اقر ان كثير من انتسب الى دعوة البنا لم يفقه للأسف دعوته المباركه

    ونسأل الله ان نكون على طريقه

    وان يجزيك خيرا على مجهودك الكبير اخى بحر الاخوان

    اخوك المحب كامل كامل

  2. أخي الفاضل

    كامل كامل

    كملك الله بالعلم والخلق الحسن

    أن للإمام البنا جهود واضحة جلية في الصحوة المباركة ولا ندعي بأنه صاحبي الجهد الوحيد بل هناك من العلماء والمربين من كان لهم جهودة أيضاً كالعلامة أبي الحسن الندوي وغيرهم الكثير .

    وكما ذكرت لابد لنا من ان نتمسك بهذا الدي بالكلية لا نتمسك بأشياء ونشد عليها ونترك باقي الأمور لا بد من الإتزان في الأمور .

    وابد من شمولية الحياة وشموية التكوين حتى يتسنى لنما ان نحييا كما يجب .

    وأوافق فيما قلت بأن هناك من ينتسب لدعوة الإمام البنا وهو لايفقه جميع ما جاء به الإمام البنا .

    وأذكر هنا بجود الشيخ عصام تليمة في جمع هذا التراث في كتبه وفيها فائدة كبيرة ومعرفة واسع بمنهج البنا الكلي .

    أخوك

  3. ارد واقول اني دايما احتقر نقسي جدامك واحس اني ولا شي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



 < ?xml:namespace prefix = v ns = "urn:schemas-microsoft-com:vml" />< ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />