وقفـــــات تحليليـــــة مع حســــن البنــــــا 1-5
كتبهابحر الإخوان ، في 15 نوفمبر 2007 الساعة: 07:59 ص
وقفـــــات تحليليـــــة مع حســــن البنــــــا 1-5
بقلم الشيخ حبيب سلامي 
فكرت أن أكتب عنه منذ زمن، ولكنني ترددت كثيراً لعلمي أن الكتابة عن شخصية في حجمه ليس أمراً سهلاً، ويحتاج إلى تأن ودراسة دقيقة وتأمل عميق في جوانب كثيرة من حياته.
فالشخصية هنا هي (حسن البنا) وقد اختلفت فيه الآراء، وتباينت وجهات النظر فيه بين مؤيد ومعارض، ولكن الكل اتفق أنه استطاع أن يفعل ما لم يفعله غيره، وقد كان يسير في طريقه بقوة من غير أن يمل أو يتوقف، لكنهم أوقفوه..!!
لقد كثرت الكتابات عن البنا، والكل يحلل من وجهة نظره، وربما أصدق مرجع نستطيع من خلاله تحليل هذه الشخصية العبقرية هي ما خلفه هو من الكتابات والرسائل.
وسوف نبدأ بالنظر في مذكراته ونحاول أن نحلل من خلالها شيئاً من شخصية هذا الداعية، ونكتشف الأسرار والأسباب التي كانت وراءه، ونربطها ببعض مشاكل المجتمع التي نعيشها لعلنا نجد من خلال ذلك بعض الحلول.
أول ما يبدأ به البنا في مذكراته بعد صفحة المقدمة هو قوله: ”رحم الله أستاذنا الشيخ محمد زهران، صاحب مدرسة الرشاد الدينية، الرجل الذكي، الألمعي، العالم التقي، الفطن اللقن الظريف، الذي كان بين الناس سراجاً مشرقاً بنور العلم والفضل، يضيء في كل مكان..”.
هذه المقدمة التي يستهل بها البنا مذكراته نستطيع أن نفهم منها الكثير، نستطيع أن نكتشف أثر المدرس في تربية الناشئة، فالبنا لم يبدأ كلامه عن كيفية نشأته أو عن تربية والده له، ووضعه في أسرته.. إلخ، ولكنه بدأ بالترحم على أستاذه (محمد زهران)، هذا الأستاذ الذي لا نعرف عنه الكثير، إلا أننا نعرف أنه كان له دور كبير جداً في حياة البنا، وأن البنا تأثر به وأعجب بشخصية هذا الأستاذ، الذي نراه يثني عليه ويمدحه ويقول فيه: ”وكان للرجل أسلوب في التدريس والتربية مؤثر منتج، رغم أنه لم يدرس علوم التربية، ولم يتلق قواعد علم النفس، فكان أكثر ما يعتمد على المشاركة الوجدانية بينه وبين تلامذته..”.
والبنا هنا يرشدنا إلى أمر مهم جداً، وهو الاعتناء بوظيفة التدريس، فهي ليست وظيفة عادية، فالمعلم قد يكون ذلك النور الذي يشرق للطالب الصغير ويرشده ويؤثر في حياته، ويكون سبباً في إنقاذه، ويفوق تأثيره على تأثير الأب والأم والبيئة في بعض الأحيان، ولكن ليس كل مدرس يستطيع أن يكون كذلك، وأكثر المدرسين الذين نشاهدهم الآن ابتعدوا عن المنهج الذي كان يتبعه (محمد زهران)، فلاعجب أن نرى إذن طلبتنا يتسكعون في أماكن يقتلون أوقاتهم فيها، ولا يحملون لمدرسيهم أي احترام وتقدير، وربما ينسون أسماءهم وأشكالهم بعد التخرج.
مع أن اللوم لا يقع كله على المدرس، لأن الوضع اختلف قليلاً، ولا ينفع أن يكون المدرس يبني بينما المجتمع يهدم من جهة أخرى بمغرياته وملهياته..”ولن يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم”.
وما نلاحظه من كلام البنا أيضاً أنه لم ينس مدرسه وتأثيره فيه بالرغم من أنه كتب مذكراته في فترة متأخرة من حياته، وهذا يدل على أن البنا لم يكن ينسى من أسدى إليه معروفاً، أي أنه يتصف بسمة الوفاء، هذه الصفة التي أصبحت تنقرض شيئاً فشيئاً من مجتمعاتنا، فما أن يصل الشخص إلى منصب إلا وينسى رفاقه وأصحابه ومدرسيه، ”وقال: إنما أوتيته على علم عندي”، بل ربما تنكر لوالديه، ولو زرنا دار رعاية المسنين لتجسدت لنا صور الخيانة وعدم الوفاء وقلة الحياء في أناس يتخلون عن آبائهم وأمهاتهم، وللأسف أن الأعداد في ازدياد ومع ذلك ندعي التحضر والتطور، نعم إنه تطور في المباني، وتدهو في المعاني.
ثم يبين لنا البنا أمراً آخر، مهم جداً، وهو حب الاطلاع والقراءة، فيقول: ”كنا نحب أستاذنا حبا جماً، رغم ما كان يكلفنا من مرهقات الأعمال، ولعلي أفدت منه رحمه الله مع تلك العاطفة الروحية حب الاطلاع وكثرة القراءة، إذ كثيراً ما كان يصطحبني إلى مكتبته وفيها الكثير من المؤلفات النافعة لأراجع له، وأقرأ عليه ما يحتاج إليه من مسائل، وكثيراً ما يكون معه بعض جلسائه من أهل العلم فيتناولون الموضوع بالبحث والنظر والنقاش وأنا أسمع..”.
إذن فعلى المربين أن يدركوا ذلك ويربوا الأبناء على حب القراءة والاطلاع، ولو ألقينا نظرة إلى صحفنا اليومية لرأينا نقصاً كبيراً، فنحن لا نملك كتاباً مميزين من أصحاب الأفق الواسع، والفهم الثاقب، والاطلاع العميق.. ولو رأينا كتابات العقاد، ومصطفى صادق الرافعي وغيرهما من أعمدة الأدب والكتابة العربية وقارنا مقالاتهم بمقالات أكثر كتابنا لتبين لنا الفرق.
إنني أشعر بالفرح والسعادة عندما أرى في المكتبة بعض الأمهات والآباء الذين يصطحبون أولادهم معهم ويحببون إليهم شراء الكتب المفيدة، ولو كانت قصصاً.. فالمهم أن ينشأ الولد على حب القراءة وحب الاطلاع، فهذا الذي كان له دور كبير في بناء البنا، ويحزنني كثير عندما أسمع من بعض المستشرقين يقول عن أمتنا (إنها أمة لا تقرأ).
هذا ونحن الذين نزل فينا سورة (اقرأ) نبتعد عن عن القراءة، والله إنها لمصيبة كبيرة، ونسبة قراءتنا وقرائنا ومكتباتنا لا تعد شيئا أمام النسب الغربية.
وأتمنى من بعض الجمعيات التي تريد أن تنتهج نهج البنا في الدعوة أن تفكر في كيفية غرس حب القراءة والاطلاع في نفوس الأولاد المنتمين إليها، بدلاً من تخصيص أوقات كثيرة تغرس فيهم حب كرة القدم، وبرك السباحة..
إن التشاغل بالدفاتر والمحابر والكتابة والدراسة
أصل التعبد والتـزهـد والرئاسة والسياسة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الرسائل وشروحها, بأقلام الدعاة ..., بحر الأخلاق, خواطر من قلبي لقلبك, دعوة, لماذا ......؟ | السمات:لماذا ......؟, الرسائل وشروحها, بأقلام الدعاة ..., بحر الأخلاق, خواطر من قلبي لقلبك, دعوة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























يناير 3rd, 2008 at 3 يناير 2008 9:06 م
مقال ممتاز لكاتب متميز
نسأل الله ان يرحم امنا البنا ويجعل ابنائنا مثل هذا الكاتب